"حصّة الغريب" دراسات عن فاعلية الترجمة وواقعها الحالي

 

"حصّة الغريب" دراسات عن فاعلية الترجمة وواقعها الحالي

كاظم جهاد: لكل منفى خصوصيته الشعرية

البيان الإماراتية - يعد الشاعر والمترجم، العراقي، الدكتور كاظم جهاد، واحدا من أبرز شعراء ومترجمي الشعر في العالم العربي. إذ قدم للمكتبة العربية، فضلا عن إبداعاته التي ترجمت إلى أكثر من لغة، ترجمة لأعمال عالمية كان لها تأثيرها الواسع في التجربة الشعرية الحديثة، منها: الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري، الآثار الشعرية الكاملة لآرتور رامبو.

يحكي جهاد، في حواره مع " بيان الكتب"، عن جملة قضايا وشؤون شعرية وإبداعية عربية وعالمية، مؤكدا أنه يرى الفضاء والمكان في الشّعر أو الكتابة الأدبيّة بعامّة، يستحيلان زمناً. وفيهما يكمن سر القصيدة.

يتضّح لدى قراءة مجموعتيك الشعريّتين: "الماء كلّه وافد إليّ" و"معمار البراءة"، اشتغالك على فضاءات ومَشاهد عراقيّة وأخرى غربيّة. فما سرّ ولعك بالأماكن؟

تدور قصائدي بالفعل، أكثر ما تدور، حول شعريّة الفضاء أو الأماكن. وهي تعمل عندي في اتّجاهين متضافرين. فبعضها معنيّ باستعادة المكان الأصليّ وبعضها الآخر بالاشتغال على المنفى كمكان ممكن ومستحيل في آنٍ معاً. والمكان هنا ليس مكاناً فحسب، بل يمكن القول إنّه مفتاح جميع الأشياء والوسيلة المثلى لاستدعائها شعريّاً. إنّ الفضاء في الشّعر أو الكتابة الأدبيّة بعامّة يستحيل زمناً، أو يجرّ معه سلسلة من الأزمنة.

يكفي أن نتذكّر أحد مشاهد الطّفولة لينبثق المشهد بكامل روائحه وتفاصيله الثريّة وأحداثه ومخلوقاته البشريّة وغير البشريّة. هكذا تأتي مشاهد الطّفولة معبّأة بالأشياء والكائنات. ومشاهد المنفى والاغتراب لا تمثّل بدورها أماكن مجرّدة أو مناظر طبيعيّة عاديّة، بل هي فضاءات محمّلة بجغرافيات عاطفيّة وشحنات وجدانيّة. هي فضاءٌ مسكون، لا بل مزدحم بالعاطفة، يخترقه من أقصاه إلى أقصاه مَعيشٌ إنسانيّ وتوتّر وانفعال.

المنفى محرِّك للإبداع

وضعتَ أيضاً أبحاثاً في المنفى وسعيتَ إلى استقراء أفقه العالميّ. ما دوافع مثل هذا الاهتمام ونتائجه؟

المنفى ظاهرة لافتة، لها تاريخها ووجوهها البارزة وتقاليدها الثقافية الراسخة في الأدب العالمي القديم والحديث. وشاع الاعتقاد لفترة، أنّ الشعراء والكتّاب الرومانطيقيين استهلكوا موضوع الحنين، بما عرف عنهم من تلذّذ بالألم، جعل البعض يزعم أنّ أدب المنفيين ما عاد يجتذب أحداً.

ومع شيوع الهجرات في العصر الحديث، سواء بباعث من الحروب أو بدافع المجاعات، أو بدافع الاختلاف في الرأي وانعدام حرية التفكير، شهدت عمليّات النّفي والتهجير، تزايداً جعل مسألة المنفى ومعالجاتها الثقافية والأدبية تكتسي طابع المساس والضرورة القصوى من جديد.

ثمة في الكثير من دول العالم الراهن مؤسّسات وقوانين ودساتير وفلسفات، تعنى في شأن المغتربين وفي كيفيّة الدفاع عنهم في فضاء الهجرات. وفي كلّ يوم يتعمّق البحث ويسير تارة نحو الأحسن وطوراً نحو الأسوأ، لا سيّما بخصوص اللّجوء كحقّ طبيعيّ لمن يواجهون خطر الموت أو الاعتقال في بلدانهم الأصلية، وكذلك بخصوص حريّة الانتقال والتفكير.

وهنا نفاجأ بالعثور على مفارقات وتناقضات. فالاتّحاد الأوروبي مثلاً قام بخطوات كبيرة نحو زحزحة الحدود والسماح بعبورها بسهولة لمواطني الدول الأوروبية، مُرفِقاً ذلك بمزيد من التحكّم بالحدود بوجه الوافدين من قارات أخرى. هذه الوضعية تمخّضت عن مأساة مَن يُعرَفون بـ "الحرّاقة" والمهاجرين السريّين وعابري الحدود بمختلف الوسائل والإمكانات

.

ثقافة المنفى

كيف عولج المنفى ثقافيّاً؟

تتلقّى مسألة الاغتراب والمغتربين معالجات مختلفة باختلاق الثقافات واللّغات. فمنها ما يعتبر أنّ كلمة "الهجرة" هي التي تشكل المفتاح الحقيقيّ للموضوع، ومنها ما يجد الكلمة المفتاحية في مفردة "المنفى". إن بعض الثقافات الغربية الحاليّة تميّز بين المهاجرين لبواعث مهنية واقتصادية وبين المهاجرين عن اضطرار وحاجة إلى اللّجوء، ولا تُطلق تسمية المنفى إلاّ على هذه الفئة الأخيرة.

لكنّ معايير أخرى مستخدمة في تناول الموضوع تجعل مفردة "المنفى" هي الأساس في كلّ فعل انتقاليّ. وهكذا يكون النفي هو كلّ إخراج للكائن عن مكانه الخاصّ، مهما تكن البواعث والأشكال. وهنا تلتقي المفردتان، الفرنسية المنحدرة من اللاتينية:" exil "، والعربية :"منفى"، على خلفيّة فهم متماثل للظاهرة، بمعنى الإخراج والإبعاد والطرد، سوى أنّ العربيّة تتمتّع بثراء إضافيّ. فإنّ نفي أحدٍ هو إبعادٌ له، وفي الأوان ذاته تنطوي العمليّة على ما يقرب من أن يكون نفياً للكائن الذي فيه بالذّات.

أمّا وقد قلنا هذا. فينبغي الالتفات إلى أنّ للمنفى تاريخاً ثقافيّاً وتقاليد أدبية وخصوصية شعرية ساهمت في تأسيسها وجوه بارزة. وفي أساس أدب المنفى، يقيم الشاعر اللاتيني أوفيديوس (يسميه البعض تقليدا للفرنسية أوفيد)، الذي نفاه الامبراطور أغسطس بعد ولادة المسيح بثمانية أعوام، إلى "توم" الواقعة على البحر الأسود (رومانيا وبلغاريا حاليّاً)، التي كانت تسكنها أقوام متوحشة، وهو في ذروة شهرته بعد تأليفه عمليه الشعريين الكبيرين:

"فنّ الهوى" و"التحوّلات". ومن هناك ظلّ أوفيديوس يبعث إلى أصحابه وذويه في روما، برسائل منظومة أو قصائد ترسّليّة، نشرت لاحقاً في مجموعتين، حملت الأولى عنوان "الكآبات" والثانية بعنوان "رسائل من البحر الأسود".

وفي روما نفسها، بين 1553 و1557، أي بعد أوفيديوس بما يقرب من ستّة عشر قرناً، كتب الشّاعر الفرنسي جواكيم دوبيليه، مجموعته الشعرية "الحسرات"، التي تعتبر رائدة في فنون الاغتراب والشكوى ورثاء النفس في الشعر الفرنسيّ. وفي العربيّة نجد لظاهرتَي الإبعاد أو الابتعاد والحنين، حضوراً كبيراً في الشعر العربيّ القديم، من شعراء المعلّقات إلى ابن زريق البغداديّ، ولدى شعراء الحداثة، وعلى رأسهم السيّاب ومحمود درويش.

لدى أعلام النهضة

هل تلمس لدى كتّاب الحداثة أثراً مماثلاً للترجمة؟

أجَل، إنّ الظّاهرة نفسها تكرّرت لدى العرب في كلّ من مرحلة النّهضة والعصر الحديث. فليس يمكن نكران أثر ترجمات الطّهطاوي، في إحداث نهضة لغويّة وتعبيريّة وفكريّة. ومن ثمّ شيئاً فشيئاً، تطوّرت التّرجمة من التّلخيص والإعداد وإعادة الكتابة، إلى نقلٍ حقيقيّ للنّصوص عبر طريقٍ طويلة وصفها عميد الأدب العربي طه حسين، في كتابَيه "مستقبل الثقافة في مصر" و"حافظ وشوقي". حيث أكّد مستعيناً بالتحليلات والأمثلة، أنّ ترجمةً لا يمكن أن تكون جديرة بحمل صفة التّرجمة، إلاّ متى كانت "صورة صحيحة" للنصّ الأصل. وفي الشّعر أيضاً، كانت الرّحلة طويلة، من التّرجمات الموزونة إلى التّرجمات المتحرّرة من العَروض، والتي نجد أمثلة فذّة عليها في مجلّة "أبولو" .. ثم في "شعر".

الترجمة تثري اللغات

 يدرس كاظم جهاد، في كتابه "حصّة الغريب، شعريّة الترجمة وترجمة الشعر عند العرب"، الذي صدر أوّلاً بالفرنسية في 2007، ماهية تصوُّرات العرب القدامى لفاعلية الترجمة، وآليات وفنون تصدي المترجمين العرب المعاصرين لجملة المصاعب الرهيبة التي ترافق ممارسة هذا الفنّ الرفيع.صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب، قبل ما يقرب من عامين، للكاتب وأستاذ الفلسفة المغربيّ محمّد أيت حنّا.ويوضح جهاد، في شأن موضوع شعرية الترجمة وترجمة الشعر عند العرب، أنه بالفعل يقدّم لنا تاريخ الثّقافة الإنسانية أمثلة عديدة على ثقافاتٍ تنشأ بتأثيرٍ من التّرجمة وعلى أجناسٍ أدبيّة جديدة تنبثق أو تتعمّق بدافعٍ من التّرجمات.

ويبين في الصدد، أنه وضع الناقد والمترجم الفرنسيّ الرّاحل أنطوان برمان كتاباً رائداً عن التّرجمة في الثّقافة الألمانيّة أثناء الحقبة الرّومنطيقيّة، منحه عنوان "محنة الغريب"، وهي صيغة مستعارة من تعريف الشاعر الألمانيّ هولدرلين للترجمة، قدّم هو تحيّة إجلال لها وللشاعر والباحث المذكورين، باجتراحه على منوالهما صيغة "حصّة الغريب".

ويشير جهاد إلى هيُرينا برمان كيف نشأت الثّقافة الألمانيّة، لا بل الهويّة الألمانيّة نفسها، بفعل حدثين خلاّقين في مجال الفعل التّرجمي. يتمثّل الأوّل في التّرجمة التي وضعها لوتر وعددٌ من مساعديه للكتاب المقدّس في بدايات القرن السّادس عشر، ويتمثّل الحدث الثّاني في قيام عددٍ من الشّعراء والمفكّرين الرّومنطيقيّين وما قبل الرّومنطيقيّين، اعتباراً من أواسط القرن الثّامن عشر، بترجمة عددٍ معتبر من الآثار الأدبيّة الغربيّة والشّرقيّة.

وهكذا، وبفضل صنيعهم هذا، أصبحت التّرجمة جزءاً لا يتجزّأ من الوجود الثّقافيّ الألمانيّ، وعنصراً أساسيّاً في تشكيل الهويّة الألمانيّة. وكان صانعو هذه الحركة على أتمّ الوعي بخطورتها.

ذلك أنّ التّرجمة رافقها هنا تفكيرٌ تجريبيّ ومنهجيّ، فلسفيّ وتاريخيّ وفقه-لغويّ ونقديّ، حول معنى التّرجمة ونتائجها اللّغويّة والأدبيّة والفكريّة، وحول العلاقات بين اللّغات، وكذلك بين الأنا والآخر، وبين الخصوصيّ والأجنبيّ، ولهذا التفكير يدين فكر التّرجمة المعاصر بجملة من الأفكار والكشوف الأساسيّة. كان ذلك عملاً هادفاً إلى إثراء اللّغة والأدب الوطنيّ، وإلى تأكيد الذّات، وقائماً على دراسة متعمّقة للعلاقة باللّغة الأمّ وباللّغات الأجنبيّة في آنٍ معاً.

مرحلة التأسيس

ويلفت الشاعر العراقي إلى أن العرب بدورهم، عرفوا في العصر الوسيط،هذا الدور للتّرجمة في التّأسيس الذّاتي. إذ أسهم عبد اللّه بن المقفّع، عبر ترجمته كتاب "كليلة ودمنة"، في التّأسيس للأدب بالمعنى القديم للكلمة. ولئن لم يزدهر جنس الخرافات في التّراث العربيّ، فإنّ الكتابات التّالية لحكايات "كليلة ودمنة".

والتي تجد ذروتها في رسائل الجاحظ وابن قتيبة وآخرين، إنّما تدين للحكايات المذكورة بجزءٍ كبيرٍ من بنائها الفنّي وطلاوتها الأدبيّة. وبذا نجد هنا، النّادرة الموجزة، القائمة على سردٍ موجَّهٍ لخدمةِ غايات فكريّة وتثقيفيّة، وفي الأوان ذاته للإمتاع، ومتضمّنٍ لخلاصة أخلاقيّة أو موعظة أو مثال.

حكايات صغيرة

ولئن كان هذا الأدب قائماً على المعاملات الإنسانيّة لا على التّخييل الخرافيّ، كما يؤكد جهاد، فهذا لا ينقص شيئاً من حقيقة أنّه يقوم هو أيضاً على شعريّة للشّكل الموجز وينتظم في حكايات صغيرة تصنع بتواليها والتحامها نسقاً كبيراً. ويرى الشاعر، في السياق، أنّ العقل النّقديّ، الذي نهل من فكر المعتزلة ثمّ ذهب أبعد منه، تمخّض عن نزعة موسوعيّة وعن بلاغة باذخة التفرّع وجهاز خطابيّ متعدّد ومعقّد،.

وكذلك عن شعريّة مكتملة ونقد أدبيّ. وهذا العقل لم يكن، كما هو معلومٌ، ممكناً لولا التّرجمات التي قدّمت للعرب نماذج فذّة من الفكرَين اليونانيّ والهنديّ. ويكفي في هذا الصّدد، طبقا لأبحاث جهاد، أن نلاحظ أنّ ما كتبه الجاحظ في خطبة "كتاب الحيوان" عن استحالة ترجمة الشّعر في نظره وضرورة العناية بالنّثر، ترتكز إلى ما يذكره من ترجماتٍ عن اليونان والهند، كان هو قد تشرّبها وأفاد منها.

شروحات وتعليقات

يبين جهاد في أبحاثه، أن الفكر الفلسفيّ هو الآخَر وُلد وتنامى، كما هو معلومٌ أيضاً، من المبادرات السّاعية إلى المزج بين الفكر التّوحيديّ ومبادئ الفلسفة اليونانيّة التي عمل المترجمون بدرجاتٍ متفاوتة من الدّقّة، على نقلها إلى لغة الضّاد. وكما يلفت هنري كوربان الانتباه إليه في كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلاميّة"، فإنّ التّرجمات في هذا الميدان، كانت مصحوبة دائماً بشروحٍ وتعقيبات تمنح أغلب الأحايين للمفاهيم والمصطلحات مساراتٍ أخرى، غير تلك التي هي لها في الأصل المترجَم.

جميع الحقوق محفوطة لجمعية النقاد الأردنيين