القدس في الشعر العربي الحديث د.زياد ابو لبن

|

القدس في الشعر العربي الحديث * زياد ابو لبن
 

 

 

 
يأتي كتاب الناقد عبدالله رضوان «القدس في الشعر العربي الحديث»، لما تشغله القدس من مكانة دينية في الأديان السماوية الثلاثة، وما تتعرض له من تهويد وتغيير لملامحها التاريخية، بفعل السلطة السياسية المُحتَلَة للأرض والإنسان الفلسطيني، وقد صدرت كتب ودراسات وأبحاث كثيرة عن القدس في الشعر والرواية والمسرحية والفنون باختلافها وتنوعها، وتلك الكتب تملأ رفوف المكتبات العامة والخاصة. وإنّ جاء رأي عبدالله رضوان بما كُتب عن مدينة القدس شعراً أقل مما كُتب عن مدن عربية، وهذا الرأي ينقصه الدقّة العلمية، فالبحث المتقصي لتأكيد النسب الإحصائية للكم الشعري الذي قيل في القدس قد يعطينا فارقاً واضحاً وحقيقياً بعيداً عن الأحكام العامة، وقد يخالف ما جاء في مقدمة كتابه: «لقد سرقت العاصمة السياسية العربية -التقليدية بل والحديثة- كل الأضواء وأخذت اهتمام الشعراء، ولم تترك للقدس إلا الأقل، على أن تغيّراً نسبياً حدث في السنوات الأخيرة وبخاصة منذ هزيمة حزيران 1967 هذا التغير هو الذي برر إمكانية إجراء هذه الدراسة، وهو ما تمثّل بمتغيرات القضية الفلسطينية وتحوّلاتها المتعدّدة، بحيث بدأت القدس تأخذ حضورها النسبي في المعطى الشعري العربي، وإن ظلّ هذا الحضور محدوداً كماً وكيفاً» ص8-9. وقد أورد الرأي ثانية في ختام الدراسة بقوله: «.. وذلك مع التأكيد على قلة القصائد التي اتخذت القدس موضوعاً فنياً لها، بالقياس للعواصم السياسية العربية، وهذا سؤال يظل قائماً ويحتاج إلى تعمّق يبرر الأسباب ويبحث فيها» ص77. 

يقف الباحث من خلال عناوين جزئية لدراسته على «صيغ وأشكال التمثّلات الشعرية لمدينة القدس في الشعر العربي الحديث»، في عُجالات لا تغطي إلا جزءاً محدوداً من القصائد التي وقف عليها، فمثلاً يشرع في عنوان «التوظيف التاريخي والأسطوري والديني» فيقف على مقطوعات شعرية من قصيدة لكل من: سميح القاسم وتميم البرغوثي وعلي عقلة عرسان ومحمود درويش، في حين أن هناك شعراء كُثر كتبوا شعراً متّكئاً على الرمز التاريخي والأسطوري والديني، وقد يتّسع الباب لبحوث وليس لبحث واحد، وهذا الرأي ينسحب على محاور البحث كلّه، وهناك أصوات شعرية متميزة تفوق ما كتبه علي عقله عرسان، بل إنّ قصيدة عرسان نظم بارد لا حياة فيها، ويخلط الشعر بالنثر، كما أن ما كتبه عبدالغني التميمي ومصطفى النجار وعلي الخليلي يقع في دائرة النظم وليس الشعر، وقد استشهد بها عبدالله رضوان في بحثه، ومبرره – هُنا- هو الموضوع وليس فنية الشعر، وإذا فَتحتَ الباب على الأخذ بالموضوع وإغفال الفن، فَسَتجدَ أكواماً بل جبالاً من الشعر المتورّم بالوهم.

ومنطلق تبريره الشعري عن القدس يأتي «بهدف التأكيد على عروبة وعلى كنعانية القدس في مواجهة محاولات تهويد وسرقة المدينة وتراثها» ص13، إذاً فهو شعر موجّه يحمل رسالة أو شعر مقاوِم، والمفهوم الشعري الحديث تجاوز لغة المباشرة في القصيدة، وتجاوز أدلجة الشعر بصوره المختلفة، وأصبح شعراً يحمل جماليات الحياة وروحها كما تحمله قطعة موسيقية، أو لوحة تشكيلية، فتجد فيه ملاذ الروح من عذابات المدينة الطاغية بكل تناقضاتها، وكما يقولون بفجّها وعجرها.

في التوطئة التي مهدت للدراسة التطبيقية في توظيف الأسطوري والتاريخي والديني، يذكر الباحث أن مدينة «يبوس» أصبحت رمزاً للحضارة الكنعانية المبكرة، ثم تغيّر الاسم إلى «أورسالم» ثم «إيليا» ثم «القدس». رغم أن الحفريات والوثائق المصرية القديمة تثبت عكس ما ذهب إليه الباحث، فـ «أورسالم» أي مدينة السلام هي التسمية الأولى لمدينة القدس، وهو اسم الإله الكنعاني حامي المدينة، ثم أخذت اسم «يبوس» نسبة إلى اليبوسيين المتفرعين من الكنعانيين، وهذا الاسم نسبة للملك اليبوسي «ملكي صادق»، وهو أو من بنى يبوس، وظهر فيما بعد اسم «أورشليم» في الكتاب المقدس في سفر يشوع، وهو عبارة عن نحت من «أورسالم» الاسم الكنعاني القديم، ويعني «موقع مخصص لعبادة الله وخدمته». 

وقد وردت في الكتاب إشارة لاستخدام الشاعر تميم البرغوثي «مثمّن الأضلاع»، وهي إشارة لقبة الصخرة، تقول إشارة الباحث: «والإشارة هنا إلى قبة الصخرة ذات الأضلاع الثمانية، باعتبار المثمّن جزءاً رئيساً من جماليات التشكيل الفني العربي الإسلامي، ومصدره الآية القرآنية الكريمة «ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية». ص17، في حين يقول الدكتور عفيف البهنسي في بحث له قدّم ضمن أبحاث الندوة السادسة: يوم القدس، في عمان بتاريخ 205 تشرين الأول 1995، بعنوان: «هوية القدس العربية والإسلامية»، «النجمة الثمانية التي تعبر عن مفهوم الكون وخالق الكون في الفكر الإسلامي، والتي تتألف من مربعين متقابلين بمركز واحد. مربع يمثل الجهات الأربع كما هو مربع الكعبة المشرفة ومربع آخر يمثل عناصر الطبيعة الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب». فطالما أن البحث يخلو من أية مرجعية أو توثيق علمي، فالآراء الواردة أو اجتهادات الباحث تبقى بعيدة كل البعد عن البحث العلمي المتقصّي. ودليل ذلك كشف بأسماء الشعراء وقصائدهم في نهاية الكتاب لا يوثّق المصدر بأي حال من الأحوال.

في عنوان أخر «التماهي والتناغم بين الذات والمكان» يقف الباحث في التطبيق على قصائد الشعراء: يوسف عبدالعزيز وهلا الشروف وعبد اللطيف عقل ونضال قاسم، وقد تكررت كلمة «التذويت» في الدراسة ثماني مرات، وهي اشتقاق من الذات، وقد تعارف الاشتقاق بين النقاد والأدباء المحدثين دون الاستناد لقاعدة لغوية، ولا نَحْمِل أنفسنا على التزمّت في اللغة، بل نحن أقرب للسهل والتجويز في مفردات اللغة واشتقاقها. ولكن تكرارها ثماني مرات في صفحات قليلة تفقد الكلمة جماليات المعنى، بل تصبح استهلاكاً جترارياً للمعنى، مثلها مثل كلمة «العقدي» التي تتكرر مرات كثيرة عند الحديث عن «القدس موقف ديني محدد الدلالة والمعنى».

يتناول الباحث في محور أخر «عرض الوقائع اليومية مع استمرار التعلّق الروحاني النبيل» حيث يقف على قصيدة للشاعر إبراهيم نصرالله، وأخرى للشاعر تميم البرغوثي، ويلحظ الباحث اختلافاً جوهرياً بين اليومي لدى المنافي الفلسطينية وبين اليومي في القدس. كما يتناول «القدس باعتبارها خصوصية فلسطينية نادرة وحالة نضالية» في قصائد راشد حسين ومحمود درويش وعلا الشروف، وأيضاً «إدانة الواقع العربي، والتوجّع من الواقع اليومي» في قصائد مظفر النواب ونزار قباني وعرار وعبدالرحيم محمود وعمر أبو ريشة وعبدالغني التميمي وأحمد مطر ومحمد مقدادي، وفي محور «التباهي والافتخار بالمكان المقدسي» يتناول قصيدة للشاعر المتوكل طه وأخرى للطفي الياسيني، وفي «المدينة متكأ لقول هموم الشاعر وتقديم رؤيته» ينحصر في قصيدة «تحت الشبابيك العتيقة» لمحمود درويش، وفي «القدس نظرة إنسانية حزينة» يقف الباحث على قصائد: هارون هاشم رشيد وسليمان العيسى وعمر أبو ريشة وإيليا أبو ماضي وزكي قنصل وعلي الخليلي والأخوين رحباني وفدوى طوقان وحنا أبو حنا، ويتناول «القدس موقف ديني محدد الدلالة والمعنى» في قصائد الشعراء: يوسف العظم وأمين شنار ونبيلة الخطيب وعبدالغني التميمي، وفي الحديث عن «القدس موقف لشحذ الهمم والدعوة إلى الثورة والتغيير» يقف على قصائد: علي محمود طه ومظفر النواب ومصطفى النجار ونايف أبو عبيد وشادي المناصرة. 

وقد ختم الناقد عبدالله رضوان بحثه بالقول: «وبعد، فهذه هي الصورة الشمولية التي أمكن رصدها للصيغ والكيفية التي تعامل بها الشعراء العرب في العصر الحديث مع قضية القدس، وهو تعامل عام غطّى مجمل الجوانب التي يمكن للمبدع أن يتعامل فيها مع مكان متميز، ومع قضية مقدسة وهي القدس» ص77. وللموضوعية إن الدراسة التي قام بها عبدالله رضوان دراسة جادة، رغم أن العامل الموضوعي للدراسة هو الذي طغى على العامل الفني، فهناك من شواهد الشعر ما يرتقي بالفن وجمالياته لمستويات عالية، وهو قليل في هذه الدراسة، وهناك شواهد من نظم تقليدي ونثرية تهبط في فن الشعر، ويوظّفه الباحث في خدمة الفكرة التي يسعى إلى تثبيتها في دراسته، وأيضاً قد وقع الكتاب في أخطاء طباعية وإملائية، خاصة إهمال همزات القطع في مواضعها، مما أفسد متعة القراءة وتتبع الموضوع.

التاريخ : 22-06-2012

جميع الحقوق محفوطة لجمعية النقاد الأردنيين